تناقضات السرطان : حقنة من التستوستيرون تحارب سرطان البروستات القاتل

يعتبر هرمون التستوسترون مفتاحاً للرجولة ، لكنه أيضاً يزيد من نمو خلايا سرطان البروستات. لذا فإن حقن هذا الهرمون في البروستات يبدو كآخر خيار يمكن لرجل مصاب بهذا السرطان أن يفعله. لكن دراسة جديدة أظهرت أن الحقن يمكن أن يبطئ نمو أورام البروستات الغير القابلة للعلاج عند بعض المرضى.

لقد عرف الباحثون منذ أربعينات القرن العشرين أن خفض معدلات هرمون التستوسترون وغيره من الهرمونات الجنسية الذكرية يمكن أن يؤدي لأورام في البروستات. اليوم هناك علاج شائع لسرطانات البروستات الذي يمكن أن ينتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم يتمثل بالإخصاء الكيميائي ، وهي أدوية تسبب قطع إنتاج الجسم لهرمون التستوسترون والهرمونات الجنسية المرتبطة به . لكن الخلايا السرطانية تعتمد على المستويات الأخفض من الهرمون وتستمر بالنمو.

فعلى سبيل المثال إن هذه الخلايا السرطانية تفعل المزيد من مستقبلات الجزيئات التي تتنبه بالتستوستيرون ، أو يمكن أن تتعدل إلى نسخة من المستقبلات التي لا تحتاج التستوستيرون لتحفيز النمو.
وعلى الرغم من أن الباحثين قد صمموا علاجات جديدة لمعاكسة هذه المقاومة مثل الأدوية التي تثبط مستقبلات التستوستيرون ، إلا أن الأورام غالباً ما تطور مقاومة سريعة تجاهه.

إن دراسات خلايا السرطان خارج الجسم  والأورام لدى الحيوانات أظهرت تناقضاً حول ما يُدعى مقاومة سرطان البروستات للإخصاء. إن خلايا السرطان التي تبقى تعمل عندما يندر التستوستيرون فإنها تموت عندما تتعرض لمعدلات عالية من الهرمون. الاختبارات اقترحت أن هذه الكمية الفائضة من الهرمون تخرب تضاعف DNA  مما يؤدي لتحطمه مما يؤدي لقتل الخلية. إن هذه العلاقة التناقضية تعني أن جرعات التستوسترون يمكن أن تكون مفيدة ضد الأورام المقاومة.

طبيب البولية في جامعة واشنطون  سياتيل ميخائيل شفايزر ، وزملاؤه من كلية الطب في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور ماريلاند اختبروا هذه الاستراتيجية عند 16 رجلاً ممن أصبح سرطان البروستات لديهم مقاوماً للإخصاء الكيميائي.

أغلب هذه الأورام كانت منتشرة أو منتقلة. في تلك الدراسة استمر الرجال المرضى بتلقي علاج الإخصاء الكيميائي ، لكن كان الباحثون يقومون بحقنهم بالتستوسترون كل 28 يوماً. كل حقنة كانت ترفع معدلات التستوسترون في الدم بنسب أعلى من الطبيعي ، لكنها تبدأ بالتراجع تدريجياً حتى تصبح قريبة من المعدل التي يحدثه الإخصاء الكيميائي.

يشرح شفايزر :

(( إن تفسير هذا التأرجح هو أنك لا تسمح لخلايا سرطان البروستات بالاعتياد على وسط واحد من التستوسترون حيث أن قمم التستوسترون ستقتل خلايا السرطان التي اعتادت على معدل منخفض من التستوسترون ، بينما الانخفاض سيثبط الخلايا التي تتطلب التستوسترون للنمو.))

لمتابعة تطور الورم عند المرضى الذين جرت عليهم الدراسة ، قام الباحثون بقياس مقدار مستضدات البروستات النوعية PSA في الدم ، وهو مشعر لنمو سرطان البروستات. وقد غادر مريضان الدراسة بعد الدورة الأولى من العلاج بسبب الأعراض الجانبية.

ارتفعت معدلات PSA  لدى سبعة من المرضى الباقين خلال الدورات الثلاث الأولى من العلاج مما عنى أنهم لم يكونوا مستفيدون من الحقن. إلا أن معدلات PSA هبطت عند السبعة الآخرين مما يعنى أن أوراهم يمكن أن تكون قد تقلصت. يقول الدكتور شفايزر :

(( إنه لشيء مشجع أن نصف المرضى الذين أخذوا 3 دورات من العلاج قد أظهروا استجابة له )).

يُعلق شفايزر بأنه مع مرور الوقت على أي حال تراجعت فائدة حقنة التستوسترون. لقد بدأت معدلات PSA بالارتفاع بعد حوالي 7 أشهر مما يعني نمو جديد للأورام. أي أن العلاج أطال حياة المرضى ولو لفترة قصيرة لأن سرطان البروستات الممانع للإخصاء الكيميائي غير قابل للشفاء.

على الرغم من قلة من الأبحاث السابقة نجحت في قياس تأثُّر سرطان البروستات بمعدلات التستوسترون لكنها لم تتمكن من توفير الجرعات العالية من الهرمون الضرورية لازالة مقاومة الخلايا السرطانية ، لذا فإن هذا البحث الجديد يعد أول خطوة باتجاه استكشاف من سيستفيد من هذا العلاج.

إن المرضى الذين استمروا في تلقي العلاج في هذه الدراسة تعرضوا لأعراض جانبية اشتملت على غثيان وفقدان الشعر واثنان من المرضى أصيبوا بجلطات دموية في الرئتين ، أما  احد المريضين اللذان تركا العلاج في الدراسة أصيب بالالتهاب الرئوي وتوفي بسبب التهاب الدم .

يقول الدكتور شفايزر : (( إن هذا ليس من النتائج النمطية للعلاج بالتستوسترون ، لذا فإن الباحثين اعتقدوا أن الوفاة حدثت بفعل الأدوية الكيميائية التي كان المريض يتناولها أيضاً أثناء الدراسة.

بعض الباحثين والأطباء كانت لديهم هواجس تجاه العلاج بالتستوسترون من أنه يمكن أن يسبب تسريع نمو الورم ، يقول الدكتور شارلز رايان وهو باحث في سرطانات الغدد الصم وطبيب في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو ولم يكن مشتركاً في الدراسة : (( إن الدراسة أظهرت بوضوح عددا كبيراً من المرضى الذين ثبت نفع وفائدة هذا العلاج عليهم  وأنه لم يحدث ضرراً)). إلا أن الدكتور تشارلز لم يكن مستعداً بعد ليغير طريقته في علاج مرضاه بسرطان البروستات ريثما يتمكن الباحثون من إنجاز دراسات أعمق تؤكد فعالية العلاج بالتستوسترون وتوضح بجلاء مخاطر العلاج.

يقول الباحث في سرطان البروستات كريستوفر لوغوثيتس في جامعة تكساس والذي لم يكن أيضاً على صلة بالدراسة :

(( إن البيانات السريرية التي وفرتها الدراسة مثيرة للاهتمام حقاً )).

لكنه كان محبطاً من أن الفريق لم يأخذ عينات خزع من المرضى لمعرفة مدى تأثير التستوسترون على الأورام. إن هذه التحاليل مهمة جداً للباحثين الذين يهمهم معرفة كيف يمكن التنبؤ باستفادة المرضى من العلاج وأيهم يمكن أن يتضرر. يقول الدكتور شفايزر هناك دراستين جديدتين بدأتا لتجربة علاج التستوسترون على المرضى ذوي مقاومة البروستات للإخصاء الكيميائي ، لذا قد يكون بوسع الباحثين قريباً من أخذ فكرة أفضل عن أفضلية العلاج بالتستوسترون على العلاج الحالي.

تم نشر المقال في مجلة الصحة Health

 

المصدر :

http://news.sciencemag.org/health/2015/01/cancer-paradox-testosterone-injections-combat-lethal-prostate-tumors

ترجمة : الصيدلاني غيث الشامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*