الجراثيم المهندَسة هي الكائنات الحية الاولى التي تستخدم حروف DNA صنعية

استطاع العلماء في معهد سكريبس للأبحاث (TSRI) في كاليفورنيا انتاج جراثيم حية تحوي شريطا من ال DNA مصنوع من حروف كيميائية غير طبيعية.

لقد أضحى معلوما في يومنا هذا للعالم والجاهل أن الDNA المكتشف من قبل كل من واطسون وكريك هو اللبنة الأساسية في جميع الكائنات الحية والفيروسات.

قد ننخدع أحيانا بنماذج ال DNA المعروضة في المتاحف ليبدو لنا بأنه مركب معقدة للغاية، لكن الحقيقة ليست كذلك، فهو يتألف من عمود فقري مضاعف ملتف تتكون فقراته من الفوسفات والسكريات التي تحمل تفرعات تربط الحلزونين ببعضهما كدرجات في سلّم. تتألف هذه الدرجات من تزاوج بسيط للغاية بين أربع أسس من الحموض النووية: الغوانين G والأدنين A والتيمين T والسيتوزين C. تتزاوج هذه الأسس مع بعضها كما يتزاوج القفل والمفتاح، حيث يرتبط الغوانين مع السيتوزين ويرتبط الأدنين مع التيمين.

يسمح هذا التزاوج بترميز التعليمات المورثية المطلوبة لنشوء الحياة وبناء الخلايا واستمرارها. وإذا ما أرادت تلك الجزيئة التضاعف فستنفك جزيئتا ال DNA تحت تأثير الأنزيمات المختلفة لينفصل الطاقان عن بعضهما كسحّاب في قطعة قماش.

هذا النمط من تزاوج الأسس عالمي في كل أشكال الحياة المعروفة، فإن احتوى أحد أشكال الحياة على DNA فلا بد أن يتزاوج بالطريقة التالية: G-C, A-T ، والسؤال هو: هل هذا التزاوج عالمي لأن كل أشكال الحياة على الأرض تعود إلى سلف مشترك؟ أم أنه يرجع لقانون مبدئي في الكيمياء؟ أم للأمرين معا؟

بعد عقود من البحث المستمر بدءا من تسعينيات القرن العشرين تطلع مشروع فريق TSRI لإيجاد جزيئات قادرة على التزاوج كما تفعل الجزيئات في ال DNA وترتبط بشكل ثابت على العمود الفقري لجزيئة ال DNA. تحتاج هذه الجزيئات أيضا لقابلية فك التزاوج كما تفعل الأسس المعروفة وإمكانية الانتساخ إلى جزيئات RNA وقدرة التضاعف إلى طيقان DNA جديدة. أضف إلى ذلك، يجب أن تكون قادرة على التعايش مع آليات إصلاح ال DNA في الخلية التي ربما ترى الأسس الجديدة كأخطاء في الطاق وتعمل على حذفها.

 

نقلة نوعية:

في عام 2008، استطاع الفريق ابتكار طيقان نصف صنعية من ال DNA قادرة على التضاعف في أنبوب الاختبار بحضور الأنزيمات الصحيحة بالإضافة إلى قدرتها على الانتساخ إلى جزيئات RNA، لكن النقلة النوعية –وفقا للفريق- كانت في جعل هذه الطيقان تعمل ضمن الخلايا الحية. تم ذلك من خلال صنع بلازميد –وهو  DNA حلقي وحيد الطاق- خليط من عناصر DNA طبيعية وصنعية هي جزيئات تعرف بـ d5SICS و dNaM وإدخاله في جرثومة الإشريكية القولونية escherichia coli.

كان من الواضح أن الحياة الناتجة لم تكن حياة صنعية، ولكنها –أيا يكن التعريف- حياة جديدة:إنها جراثيم حبلى ب DNA فريد. DNA يحوي أسسا غير موجودة في أي شكل آخر من أشكال الحياة.

لقد تمتعت تلك الطيقان الجديدة بالقدرة على التضاعف طالما توافرت المواد الكيميائية المطلوبة، كما أن التضاعف يجري بسرعة ودقة مقبولتين، ولا تعترضها أنظمة إصلاح ال DNA، ولا تسبب ضعف نمو تلك الخلايا.

وحوش فرانكشتاين:

هل تشكل تلك الجراثيم تهديدا لمستقبل الأرض والبشرية.لا فالجراثيم الجديدة ليست بوحوش فرانكشتاينية ميكروية تنتظر الانطلاق من المختبر لاجتياح عالم غافل.

لماذا ؟؟؟ لعدم وجود 5SICS  و dNaM في الطبيعة إذ أن على العلماء تزويد الوسط بهذه الأسس لكي تتشكل تلك الطيقان الفريدة من ال DNA، كما انهم أيضا بحاجة لجزيئات تعرف بناقلات ثلاثيات الفوسفات -التي ينتجها نوع من الطحالب الميكروية- لنقل تلك الجزيئات إلى داخل الخلايا.وهذا يعني أن ال DNA الصنعي لن يعمل ولن يتشكل خارج حدود المختبر.

 

وفي الختام ……آلية التحكم

صرح أعضاء الفريق الباحث أنه عند توقف تدفق وحدات البناء غير الطبيعية إلى الخلايا تم استبدال الأزواج الطبيعية بالأزواج غير الطبيعية d5SICS–dNaM وبشكل دقيق أثناء حدوث التضاعف الخلوي. كما يقول أحد أعضاء الفريق Denis A. Malyshev: “لا يبدو أن هناك عوامل أخرى تستأصل أزواج الأسس غير الطبيعية من ال DNA .

من المهم ملاحظة أن هذين الابتكارين الجديدين يمنحاننا السيطرة على النظام ككل. فأسسنا الجديدة قادرة على الدخول إلى الخلايا فقط إن شغّلنا البروتين الناقل للأسس، ومن دون هذا الناقل –أو بغياب الأسس الجديدة- ستعود الخلية إلى الأسس A, T, G, C وستختفي الأسس d5SICS و dNaM من الجينوم”. ووفقا لقائد الفريق Floyd E. Romesberg فإن الهدف التالي سيبحث في إمكانية استخدام الأسس الجديدة لتشكيل البروتينات حيث يقول:

“سنستطيع مبدئيا ترميز بروتينات جديدة ونصنعها من حموض أمينية جديدة غير طبيعية – وهو ما سيمنحنا قوة أكبر من أي وقت مضى في تصميم بروتينات علاجية، أو تشخيصية أو ككواشف مخبرية توصلنا إلى الوظائف المطلوبة. كما يحتمل أن تكون التطبيقات الأخرى –كالمواد النانوية- ممكنة أيضا”

نشرت نتائج الفريق في مجلة Nature.

 

http://www.gizmag.com/artificial-dna-scripps/32003

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*